الشيخ محمد رشيد رضا
135
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحرارة ، وحينئذ تبقى جراثيم المرض فيها حية تؤثر في الجسم الذي تدخله . فان قبل ان المشهور عن الأطباء ان الدم مادة الحياة الحيوانية الفعالة في الصحة فإذا أمكن للانسان ان يضيف دم غيره من الاحياء إلى دمه فالقياس انه لا يزيده ذلك الا صحة وقوة . والجواب ان هذا لا يؤخذ على اطلاقه ولم يثبت عند الأطباء ان شرب الدم المسفوح أو اكله بعد ان يجمد بنفسه أو بالطبخ مفيد للصحة والقوة ولا أنه يزيد الدم ولذلك لا يفعلونه ولا يأمرون الناس به ، ولا يقولون إن معد الناس تقوى على هضمه والتغذي به بسهولة ، وانما يتولد الدم مما يهضم من الطعام ، نعم يمكن ان يحقن ضعيف الدم بدم حيوان سليم فيزيده ذلك قوة ، وهذا غير محرّم ولا مما نحن فيه ( الثالث لحم الخنزير ) وحكمة تحريمه ما فيه من الضرر وكونه مما يستقذر أيضا ، وان كان استقذاره ليس لذاته كالميتة والدم ، بل هو خاص بمن يتذكر ملازمته للقاذورات ورغبته فيها ، ولهذا المعنى ورد النهي عن أكل الجلّالة وشرب لبنها وهي التي تأكل العذرة والجلّة أي البعر ( والجلالة صيغة مبالغة وهي كالجلة بفتح الجيم وتشديد اللام ) فروى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة - وصححه الترمذي منهم كما صححه البيهقي - عن ابن عباس « نهى رسول اللّه ( ص ) عن شرب لبن الجلالة » وروي بلفظ « وعن أكل الجلالة وشرب ألبانها » وصححه ابن دقيق العيد . وروى أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة عن ابن عمر مثله قال « نهى رسول اللّه ( ص ) عن أكل الجلالة وألبانها » وقد اختلف في وصله وإرساله . واختلف العلماء في النهي عن الجلالة من الانعام وغيرها كالدجاج والإوز هل العبرة بعلفها قلة وكثرة أم العبرة برائحة لحمها ؟ وهل النهي للتحريم أم للكراهة ؟ وقال بعض أئمة الفقه لا تؤكل حتى تحبس عن أكل القذر أياما ، واختلفوا في مدة الحبس ، وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثا ولم ير بأكلها بأسا . والغرض من هذا أن الاسلام طيب أحل الطيبات وحرم الخبائث وبالغ في أمر النظافة فلا غرو إذا عد اكل الخنزير للقاذورات علة أو حكمة من علل تحريم لحمه أو حكمها وان لم يترتب عليه ضرر فكيف إذا ترتب عليه ضرر عظيم وأما كون أكل لحم الخنزير ضارا فهو مما يثبته الطب الحديث . وجل ضرره